فصل: قال السمرقندي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.المسألة الرابعة: [في قراءة من قرأ {أُذُنُ خَيْرٍ} بالتنوين في الكلمتين]:

أما قراءة من قرأ {أُذُنُ خَيْرٍ} بالتنوين في الكلمتين ففيه وجوه:
الوجه الأول: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد الذي تذكرون، ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن، وهو قوله: {يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ} والمعنى أن من كان موصوفًا بهذه الصفات، فكيف يجوز الطعن فيه، وكيف يجوز وصفه بكونه سليم القلب سريع الاغترار؟
الوجه الثاني: أن يضمر مبتدأ، والتقدير: هو أذن خير لكم، أي هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم، لأنه يقبل معاذيركم، ويتغافل عن جهالاتكم، فكيف جعلتم هذه الصفة طعنًا في حقه؟
الوجه الثالث: وهو وجه متكلف ذكره صاحب النظم.
فقال: {أَذِنَ} وإن كان رفعًا بالابتداء في الظاهر لكن موضعه نصب على الحال وتأويله قل هو أذنًا خير إذا كان أذنًافهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم، ونظيره، وهو حافظًا خير لكم، أي هو حال كونه حافظًا خير لكم إلا أنه لما كان محذوفًا وضع الحال مكان المبتدأ تقديره، وهو حافظ خير لكم وإضمار هو في القرآن كثير.
قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثلاثة} أي هم ثلاثة، وهذا الوجه شديد التكلف، وإن كان قد استحسنه الواحدي جدًا.

.المسألة الخامسة: [في قراءة قوله: {ورحمة}]:

قرأ حمزة {وَرَحْمَةً} بالجر عطفًا على {خَيْرٌ} كأنه قيل: أذن خير ورحمة، أي مستمع كلام يكون سببًا للخير والرحمة.
فإن قيل: وكل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير؟
قلنا: لأن أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير، كما في قوله تعالى: {وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال} [البقرة: 98] قال أبو عبيد: هذه القراءة بعيدة لأنه تباعد المعطوف عن المعطوف عليه.
قال أبو علي الفارسي: البعد لا يمنع من صحة العطف، ألا ترى أن من قرأ {وَقِيلِهِ يارب} [الزخرف: 88] إنما يحمله على قوله: {وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة} [لقمان: 34] تقديره: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
فإن قيل: ما وجه قراءة ابن عامر {وَرَحْمَةً} بالنصب؟
قلنا: هي علة معللها محذوف، والتقدير: ورحمة لكم يأذن إلا أنه حذف، لأن قوله: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} يدل عليه. اهـ.

.قال السمرقندي:

{وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى}
قال ابن عباس: نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد ومحشر بن خويلد وأبو ياسر بن قيس؛ وذلك أنهم كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه الخبر.
فقال الجلاس: نقول ما نشاء، فإنما {هُوَ أُذُنٌ} سامعة ثم نأتيه فيصدقنا، والأذن الذي يقبل كل ما قيل له.
قال تعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}، يعني: إن كان الأمر كما تذكرون فهو خير لكم، ولكنه {يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}، يعني: يصدق الله ويصدق المؤمنين لا أنتم؛ والباء واللام زائدتان، يعني: ويصدق محمد المؤمنين فذلك قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى} يعني: من المنافقين من يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، {وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}؛ يعني: سامع لمن حدثه.
{قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}.
قرأ العامة قل: {أَذِنَ} بغير تنوين {خَيْرٌ لَّكُمْ} بالكسر؛ وقرأ بعضهم: {قُلْ أُذُنُ} بالتنوين {خَيْرٌ} بالتنوين والضم.
فمن قرأ أذُنٌ بالتنوين، فمعناه إن كان محمد كما قلتم أذنٌ فهو خيرٌ لكم أي صلاح لكم، ومن قرأ بالكسر أذُنُ خَيْرٍ فهو على معنى الإضافة، أي أذن خير وأذن نعمة.
وقرأ نافع: {قُلْ أُذُنُ} بجزم الذال والباقون بالضم وهما لغتان.
{يُؤْمِنُ بالله}، يعني: يصدق بالله تعالى في مقالته، {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}؛ يعني: يصدق قول المؤمنين، {وَرَحْمَةً}؛ يعني: هو نعمة {لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ}، أي هو نعمة الذين آمنوا في السر والعلانية.
قرأ حمزة {وَرَحْمَةً} على معنى الإضافة، يعني: أذن رحمة، وقرأ الباقون {وَرَحْمَةً} بالضم على معنى الاستئناف.
ثم قال: {والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، يعني وجيع. اهـ.

.قال الثعلبي:

ثمّ رجع إلى ذكر المنافقين وقال: {وَمِنْهُمُ} يعني من المنافقين {الذين يُؤْذُونَ النبي وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} نزلت في حزام بن خالد، والجلاس بن سويد، وإياس بن قيس، ومخشي بن خويلد، وسمّاك بن يزيد، وعبيد بن هلال ورفاعة بن المقداد، وعبيدة بن مالك، ورفاعة بن زيد، كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا مايقولون فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول: فإنّما محمد أذن سامعة فأنزل الله هذه الآية.
وقال محمد بن إسحاق عن يسار وغيرة نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نهشل بن الحرث، وكان حاسر الرأس أحمر العينين أسفح الخدين مشوّه الخلقة، وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن ينظر الى الشيطان فلينظر إلى نهشل بن الحرث»، وكان ينمّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن، من حدّثه شيئًا يقبل، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له ويصدقنا عليه، فأنزل: {الذين يُؤْذُونَ النبي وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} يسمع من كل واحد ويقبل ما يقال له ومثله أذنة على وزن فعلة ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، وأصله: أذن يأذن أذنًا إذا استمع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ما اذن الله لشيء كأذنه لنبي بمعنى القرآن، وقال عدي بن زيد:
أيها القلب تعلل بددن ** إن همي في سماع وأَذَن

وقال الأعشى:
صمٌّ إذا سمعوا خيرًا ذُكرتُ به ** وإن ذُكرتُ بشرَ عندهم أذنوا

وكان أُستاذنا أبو القاسم الجبيبي يحكي عن أبي زكريا العنبري عن ابن العباس الازهري عن أبي حاتم السجستاني أنّه قال: هو أذن أي ذو أذن سامعة.
{قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} قراءة العامة بالإضافة أي أذن خير لا أذن شرّ، وقرأ الحسن والأشهب العقيلي: والأعمش والبرجمي: أذن خير لكم مرفوعًا من المنافقين ومعناه: إنْ كان محمدًا كما تزعمون بأن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم.
ثم كذّبهم فقال: {يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} يعلمهم، وقيل: يقال أمنتك وأمنت لك بمعنى صدقتك كقوله: {والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 58] أي [...] ربهم {وَرَحْمَةٌ} قرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة: {ورحمة} عطفًا على معنى أُذن خير وأُذن شر في قول عبد الله وأُبي، وقرأ الباقون: {ورحمة} بالرفع أي: هو أُذن خير، وهو رحمة، جعل الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم مفتاح الرحمة ومصباح الظلمة وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.
{والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أي يصغي إلى كل أحد، فيسمع منه، قال عدي بن زيد:
أيها القلب تعلّل بددن ** إن همي من سماع وأذن

{قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي يسمع الخير ويعمل به، لا أذن شر يفعله إذا سمعه.
قال الكلبي: نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين كانوا يعيبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون فيه ما لا يجوز، فنزلت هذه الآية فيهم.
وفي تأويلها وجهان:
أحدهما: أنهم كانوا يعيبونه بأنه أذن يسمع جميع ما يقال له، فجعلوا ذلك عيبًا فيه.
والثاني: أنهم عابوه فقال أحدهم: كفوا فإني أخاف أن يبلغه فيعاقبنا، فقالوا: هو أُذن إذا أجبناه وحلفنا له صدقنا، فنسبوه بذلك إلى قبول العذر في الحق والباطل، قاله الكلبي ومقاتل.
وقيل إن قائل هذا نفيل بن الحارث. اهـ.

.قال ابن عطية:

{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}
الضمير في قوله: {ومنهم} عائد على المنافقين، و{يؤذون} لفظ يعم جميع ما كانوا يفعلونه ويقولونه في جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخص بعد ذلك من قولهم: {هو أذن}، وروي أن قائل هذه اللفظة نبتل بن الحارث وكان من مردة المنافقين، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث وكان ثائر الرأس منتفش الشعرة أحمر العينين أسفع الدين مشوهًا، روي عن الحسن البصري ومجاهد أنهما تأولا أنهم أرادوا بقولهم: {هو أذن} أي يسمع منا معاذيرنا وتنصلنا ويقبله، أي فنحن لا نبالي عن أذاه ولا الوقوع فيه إذ هو سماع لكل ما يقال من اعتذار ونحوه، فهذا تنقص بقلة الحزامة والانخداع، وروي عن ابن عباس وجماعة معه أنهم أرادوا بقوله: {هو أذن} أي يسمع كل ما ينقل إليه عنا ويصغي إليه ويقبله، فهذا تشكٍّ منه ووصف بأنه يسوغ عنده الأباطيل والنمائم، ومعنى {أذن} سماع، ويسمى الرجل السماع لكل قول أذنًا إذا كثر منه الإبل التي قد بزل نابها ناب وقيل معنى الكلام ذو أذن أي ذو سماع، وقيل إن قوله: {أذن} مشتق من قولهم أذن للشيء إذا استمع كما قال الشاعر وهو علي بن زيد: [الرمل]
أيها القلب تعللْ بِدَدنْ ** إن همّي في سماعٍ وأَذَنْ

وفي التنزيل: {وأذنت لربها وحقت} [الإنشقاق: 2-5] ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن» ومن هذا قول الشاعر [عدي بن زيد]: [الرمل]
في سماع يأذن الشيخ له ** وحديث مثل ماذيّ مشار

ومنه قوله الآخر [قعنب بن أم صاحب]: [البسيط]
صمٌّ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ** وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

وقرأ نافع {أذْن} بسكون الذال فيهما، وقرأ الباقون {أذُن} بضم الذال فيهما، وكلهم قرأ بالإضافة إلى {خير} إلا ما روي عاصم، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وعيسى بخلاف {قل أذنٌ خيرٌ} برفع خير وتنوين {أذن} وهذا يجري مع تأويل الحسن الذي ذكرناه أي من يقبل معاذيركم خير لكم، ورويت هذه القراءة عن عاصم، ومعنى {أذن خير} على الإضافة أي سماع خير وحق، {ويؤمن بالله} معناه يصدق بالله، {ويؤمن للمؤمنين} قيل معناه ويصدق المؤمنين واللام زائدة كما هي في قوله: {ردف لكم} [النمل: 72] وقال المبرد هي متعلقة بمصدر مقدر من الفعل كأنه قال وإيمانه للمؤمنين أي تصديقه، ويقال آمنت لك بمعنى صدقتك ومنه قوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17].
قال القاضي أبو محمد: وعندي أن هذه التي معها اللام في ضمنها باء فالمعنى ويصدق للمؤمنين بما يخبرونه، وكذلك {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17] بما نقوله لك والله المستعان، وقرأ جميع السبعة إلا حمزة {ورحمةٌ} بالرفع عطفًا على {أذن} وقرأ حمزة وحده {ورحمةٍ} بالخفض عطفًا على {خير}، وهي قراءة أبي بن كعب وعبد الله والأعمش، وخصص الرحمة {للذين آمنوا} إذ هم الذين نجوا بالرسول وفازوا به، ثم أوجب تعالى للذين يؤذون رسول الله العذاب الأليم وحتم عليهم به. اهـ.